عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

211

اللباب في علوم الكتاب

قوله : فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ . اعلم أنّ قوم شعيب كانوا مشغوفين بالبخس والتّطفيف . فإن قيل : « الفاء » في قوله : « فأوفوا » توجب أن يكون الأمر بإيفاء الكيل كالتعليل لما سبق ذكره ، وهو قوله : قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فكيف وجهه ؟ فالجواب : كأنّه يقول لهم : البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشّيء القليل ، وهو مستقبح في العقل ، ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة بتحريمه فلم يبق فيه عذر « فأوفوا الكيل » . وقال هنا : « الكيل » ولم يقل : « المكيال » كما في سورة هود [ 84 ] ؛ لأنّه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال ، أو يسمى ما يكال به الكيل كما يقال : « العيش » لما يعاش به . قوله : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قد تقدّم معنى هذه اللفظة في قوله : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً [ البقرة : 282 ] ، وهو يتعدّى لاثنين ، وهما « النّاس » و « أشياءهم » ، أي : لا ينقصوهم أشياءهم ولا يظلموهم ، ويدخل فيه المنع من الغصب ، والسرقة والرشوة ، وقطع الطريق ، وانتزاع الأموال بطريق الحيل . قوله : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها . وذلك أنّه لما كان أخذ أموال النّاس بغير رضاهم يوجب المنازعة والخصومة ، وهما يوجبان الفساد ، لا جرم قال بعده : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها . وقيل : أراد المنع من كلّ فساد . وقيل : أراد بقوله : « وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ » المنع من فساد الدّنيا ، وبقوله : « وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ » المنع من فساد الدّين . واختلفوا في معنى « بعد إصلاحها » : فقيل : بعد أن صلحت ببعثة الرسل . وقيل : بعد أن أصلحها بتكثير النّعم . ثم قال : « ذلكم » وهو إشارة إلى ما تقدّم من الأمر والنهي « خَيْرٌ لَكُمْ » في الآخرة « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » مصدّقين بما أقول . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 86 ] وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 86 ) يجوز أن تكون « الباء » على حالها من الإلصاق أو المصاحبة ، أو تكون بمعنى « في » يقال : قعد له بمكان كذا ، وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا ، فتتعاقب هذه الحروف في هذا الموضع لتقارب معانيها ، فقعد بمكان : الباء للإلصاق ، وقد التصق بذلك المكان ،